رجل العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص

الرئيسية نبذة عن حياته من مؤلفاته نداء إلى المسلم مصادر ومراجع الإيمان باليوم الآخر مشيئة الله تصويبات

(( الدليل العقلي والنقلي على صفات الله تعالى ))

س :   أني لفي حاجة أيها الأستاذ إلى اجتلاء الأدلة العقلية والنقلية على الصفات الواجبة لله تعالى , لأكون على علم بها , ولأزداد يقينا وايمانا , فهل تسمح بذكرها مرتبة على التوالي ؟

ج )    سوف تجدني عند رغبتك إن شاء الله تعالى :
لقد ذكر علماء التوحيد أدلة عقلية ونقلية واضحة , لا لبس فيها ولا إبهام وها هي مرتبة الواحدة تلو الأخرى , وقد اخترت ما كتبه الشيخ أحمد محمد العدوي في فن التوحيد , لأجيب منه بناء على أسئلتك , فاسأل ترشد :

س :    ما الدليل العقلي والنقلي على وجود الله سبحانه وتعالى ؟

ج )    مما أودع في الفطر وارتكز في الطباع , معرفة العاملين بآثارهم , والصناع بصنعهم , وترى نفسك عندما تشاهد قصراً حسن المنظر محكم البناء , تستولى عليك الدهشة من مهارة بانيه , ونبوغ صانعه , وترى لسانك ناطقاً بامتداح رافعه والثناء عليه . وإذا مررت ببستان أحكمت تقاسيمه ونسقت أشجاره , ونظمت أزهاره راعك ذلك المنظر البديع , ودلل على حسن ذوق راسمه , وجمال هندسة مهندسه . _ وإذا دخلت دار الآثار ورأيت من جثث الأقدمين ما مضى عليه عشرات الآلاف من السنين , عرفت ما ذا كان عليه الأقدمون من فن التحنيط مما لا نهتدي إليه حتى الآن . _ هذا وغيره مما يماثله هو الذي تقتضيه الفطرة , وتستلزمه طبيعة الإنسان وهو أن تنتقل النفس من الأثر إلى المؤثر فيه . ومن عظم البناء إلى عظم بانيه . فمن الطبيعي أن تعلم من ذلك أن للكون ربا دبره , وخالقاً برأه , ومن البديهي أن تعرف أن لذلك العالم إلها رفع سماءه , وبسط أرضه وأرسى جباله وأجرى بحاره وأنهاره , وتأمل قوله تعالى : " أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها , وما لها من فروج . والأرض ممدناها وألقينا فيها رواسي , وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج , تبصرة وذكرى لكل عبد منيب . ونزلنا من السماء ماء فأنبتنا به جنات وحب الحصيد , والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد , وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج " (1) . هذه المشاهدات العظيمة , والمخلوقات العجيبة التي تعجز فوى البشر والمخلوقات جميعا عن صنع واحد منها , أكبر دليل على وجود الله وقدرته .وحاصل هذا الدليل أن نقول : _ العالم حادث وكل حادث لا بد له من محدث . أي من خالق حكيم . والخالق الحكيم للعالم هو الله سبحانه وتعالى .

س : ما هو العالم ؟  

ج )  العالم : كل ما سوى الله من الموجودات , فهو شامل لذوي الروح , كالأنس والجن والملائكة , ولغيرهم كالجمادات والنباتات .

          والدليل النقلي على وجود الله جاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى : " بديع السموات والأرض , أنى يكون له ولد , ولم تكن له صاحبة , وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم , ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل " (2) .

س :    ما الدليل العقلي والنقلي على وجوب صفة القدم لله تعالى ؟

ج )    الدليل العقلي على وجود القدم لله تعالى هو : أنه تعالى لو لم يكن قديما لكان حادثا , ولو كان حادثا لاحتاج إلى محدث , ولو احتاج إلى محدث , لا احتاج محدثة إلى محدث مثله , فهما متماثلان ! فيلزم الدور أو التسلسل , وكلاهما محال , فثبت له القدم .

          والدليل النقلي قوله تعالى : " هو الأول والآخر , والظاهر والباطن , وهو بكل شئ عليم "(3) .

س :   عرف لي الدور والتسلسل , ولماذا كلاهما محال ؟

ج )    الدور هو توقف وجود الشئ على ما توقف عليه , وإنما كان محالا , لأنه يلزم عليه أن يكون الشئ الواحد سابقاً على نفسه مسبوقاً بها وهو محال ._ ولإيضاح ذلك نفرض أن زيدا أوجد عمرا , وأن عمرا أوجد زيدا . فنرى من هذا أن وجود زيد متوقف على وجود عمرو , والعكس , فيلزم من ذلك أن زيدا متقدم على نفسه متأخر عنها . وأن عمرا كذلك وهذا محال .

          والتسلسل : هو ترتب أمور غير متناهية , وإنما كان محالا لأنه يلزم عليه الذهاب إلى غير النهاية , والذهاب إلى غير النهاية تسلسل , والتسلسل محال , ولإيضاح ذلك نقول : لو كانت الأشياء كلها ممكنة يوجد أحدها بالآخر , مثلاً يوجد الأول بالثاني , والثاني بالثالث , والثالث بالرابع , وهكذا , لزم الذهاب إلى غير النهاية , والذهاب إلى غير النهاية تسلسل . والتسلسل محال .

س :    ما الدليل العقلي والنقلي على وجوب صفة البقاء لله تعالى ؟

ج )    الدليل العقلي والنقلي على صفة البقاء لله تعالى : هو أنه لو جاز عليه العدم لاستحال عليه القدم , لكن ثبت له القدم , وكل من ثبت قدمه استحال عدمه ._ والدليل النقلي قوله تعالى في سورة الحديد : " هو الأول والآخر والظاهر والباطن " . وقوله في سورة القصص : " كل شئ هالك إلا وجهه " .

س :   ما الدليل النقلي والعقلي على مخالفته للحوادث , وتنزهه تعالى عن مشابهة غيره ؟

ج )    الدليل العقلي على وجوب مخالفته للحوادث : هو انه تعالى لو لم يكن مخالفا للحوادث في ذاته وصفاته وأفعاله , لكان مماثلا لها , فيكون تعالى حادثا مثلها , لكن كونه تعالى حادثا محال . لأنه ثبت وجوب قدمه وكل من وجب له القدم استحال عليه المماثلة للحوادث , ووجبت له المخالفة لها . وايضاح ذلك أنه إذا كان العالم البديع الصنع لا بد له من إله يدبره . وخالق يهيمن عليه , فليس من المعقول أن يشبه ذلك الاله شيئا من خلقه , لا يشبهه في ذاته , ولا يماثله في صفاته , ولا يضاهيه في أفعاله , فتعرف بالضرورة أن الله قديم خالق , وأن العالم مخلوق . والله غني عن خلقه , والعالم فقير اليه , وكيف يماثل مخلوق خالقه ؟ أم كيف يشبه عبد ربه ؟ وكيف يداني فقير من جميع الوجوه غنياً مطلقاً يمننح غيره الوجود ويهبه الحياة ؟ قال تعالى , في سورة النحل : " أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون " . وإذا كان العبد والرب لا يتماثلان , والخالق والمخلوق لا يتشابهان , وكان للمخلوق مبدأ ونهاية , وجب أن يكون الإله " هو الأول والآخر " الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية , المنزه عن مشابهة الحوادث , فليس كمثله شئ .

          والدليل النقلي على وجوب مخالفته للحوادث قوله تعالى في سورة الشورى : " ليس كمثله شئ وهو السميع البصير " . وفي سورة الروم : " وله المثل الأعلى في السموات والأرض .

س :    ما لدليل العقلي والنقلي على وجوب قيامه تعالى بنفسه ؟  

ج)     الدليل العقلي على وجوب قيامه بنفسه : أنه أو لم يكن قائما بنفسه لاحتاج إلى غيره , ولو احتاج إلى غيره لكان حادثا , وكونه حادثا باطل , فبطل ما أدى إليه , وهو افتقاره إلى غيره , وثبت قيامه بنفسه وهو المطلوب .

          وأما الدليل النقلي فقوله تعالى في سورة فاطر : " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله , والله هو الغني الحميد " .

س :    ما لدليل العقلي والنقلي على وجوب الوحدانية لله تعالى ؟

ج)   الدليل العقلي على وحدانية الله تعالى , أنه لو تعدد الإله لما وجد شئ من العالم , لكن عدم وجود شئ من العالم باطل , لأن العالم موجود بالمشاهدة , فما أدرى إليه وهو التعدد باطل , وإذا بطل التعدد ثبتت الوحدانية . وإيضاح ذلك أن وجود الهين مدعاة للنزاع الدائم , وقد دلت التجارب على أن العمل لا يصلح برئاستين , ولا ينتظم بسلطتين , ونشاهد أن كل عمل له رئاستين يختل نظامه , وتسوده الهمجية والاضطراب , ولو كان مع الله شريك في الملك , أو له معين على العمل , لا ختل نظام السموات وما فيها من كواكب . والأرض وما تحويه من أنهار وبحار , ونبات وأشجار , وصدق الله إذ يقول في سورة الأنبياء : " لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا , فسبحان الله رب العرش عما يصفون "

          وأما الدليل النقلي فآيات كثيرة منها قوله تعالى في سورة البقرة  : " والهكم إله واحد " . ومن سورة المؤمنون قوله تعالى : " ما اتخذ الله من ولد , وما كان معه من اله , إذا لذهب كل إله بما خلق , ولعلى بعضهم على بعض , سبحان الله عما يصفون . عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون " .

س :     ما الدليل العقلي والنقلي على وجوب اتصافه بالقدرة ؟

ج)      الدليل العقلي على وجوب القدرة لله : انه تعالى لو لم يكن قادرا لكان عاجزا , ولو كان عاجزا ما وجدت هذه المخلوقات , وعدم وجودها باطل بالمشاهدة فبطل ما أدى إليه , وهو كونه غير قادر , ووجبت اتصافه بالقدرة . أما الدليل النقلي : فقوله تعالى في سورة البقرة : " إن الله على كل شئ قدير "

س :    ما الدليل العقلي والنقلي على اتصافه تعالى بالإرادة ؟   

ج )    الدليل العقلي على اتصافه تعالى بالإرادة : أنه لو لم يكن مريدا لجميع الممكنات التي وقعت والتي تقع , لكان غير مريد _ أي مكرها ,ومقهورا على فعلها أو بعضها , ولو كان غير مريد لكان عاجزا , ولو كان عاجزا , ولو كان عاجزا لما وجدت هذه المخلوقات , وعدم وجودها , باطل بالمشاهدة , فبطل ما أدى إليه , وهو كونه مكرها , وثبت اتصافه بالإرادة .

          أما الدليل النقلي فقوله في سورة القصص : " وربك يخلق ما يشاء ويختار " . وقوله في سورة البروج : " فعال لما يريد " . وقول النبي محمد صلى الله عليه وسلـــم : " ما شاء الله كان , وما لم يشأ لم يكن " .

س :     هناك دلائل أخرى غير ما ذكر جاءت على وفق قدرته , ومشيئته وإرادته , فالتمس منك إيضاحها ورفع الستار عنها , لأعيها وأدرك مفاهيمها ؟

ج )     أجل : هناك دلائل كونية , وقرآنية غير ما ذكر وسوف أتحفك بها , أو ببعضها , حيث لا غناء عنها لكل مسلم باحث متطلع ليقتنع ويقنع . وها هي بوضوح واتقان فيما يلي :

          من دلائل قدرة الله ومشيئته : أن سخر الكائنات وفق إرادته , فسجد لعظمته من في السموات ومن في الأرض , سجدا لعظمته منهم الطائع والكاره , والمختار والمضطر , قال تعالى في سورة الرعد : " ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها , وظلالهم بالغدو والآصال " . لأن الكل عبد خاضع لله , لا يعدو حده , ولا يتجاوز قدره , قال تعالى في سورة مريم : " ان كل من في السموات والأرض الا آتى الرحمن عبدا , لقد أحصاهم وعددهم عدا , وكلهم آتيه يوم القيامة فردا " . وإذا كان للمخلوق استطاعه محدودة , مشيئته لا تعدو مشيئة الرب , فإن لله القدرة التامة والمشيئة النافذة , قال تعالى في سورة البروج : " إن بطش ربك لشديد , إنه هو يبدئ ويعيد , وهو الغفور الودود , ذو العرش المجيد , فعال لما يريد " . وقال في سورة فصلت : " ثم استوى إلى السماء وهي دخان , فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها , قالتا أتينا طائعين " .

          سخر للإنسان الفلك تجري في البحر , وشق له من الأرض الأنهار كما سخر الشمس والقمر , وجعل النهار يعقبه الليل , والليل يتلوه النهار . قال تعالى في سورة ابراهيم : " الله الذي سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره , وسخر لكم الأنهار , وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار , وآتاكم من كل ما سألتموه , وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها , إن الإنسان لظلوم كفار " .

          ومن آيات قدرة الله تعالى : " أن ترى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله " .

          ومن دلائل حكمته : أن خلقنا من ماء مهين , فجعله نطفة في قرار مكين , قال تعالى في سورة السجدة : " الذي أحسن كل شئ خلقه , وبدأ خلق الإنسان من طين . ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين . ثم سواه ونفخ فيه من روحه , وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة , قليلا ما تشكرون " . وهو الذي يحفظ الحبة في جوف الأرض من الحشرات والهوام , ثم ينبتها النبات الحسن حتى تصير زرعا يأكل منه الأنعام والآدميون , ولو شاء لجعله هشيما يابسا . قال تعالى في سورة الواقعة : "أفرأيتم ما تحرثون . أأنتم تزرعونه ؟ أم نحن الزارعون ؟ لو نشاء لجعلناه حطاما " . وهو الذي ينزل من السماء ماء بقدر , فيسكنه في الأرض , ولو شاء لجعله ملحا أجاجا , تمجه النفوس , وتنفر منه الطباع . قال تعالى في سورة الواقعة : " أفرأيتم الماء الذي تشربون ؟ أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ؟ لو نشاء لجعلناه أجاجا فلو لا تشكرون " . وقال جل شأنه في سورة المؤمنون : " وأنزلنا من السماء ماء بقدر , فأسكناه في الأرض , وانا على ذهاب به لقادرون " .

          كل هذه العبر , من سماء رفعها , وأرض بسطها , وجبال أرساها , وأنهار أجراها وبحار شقها , وأفلاك سيرها , وكواكب أنارها , ونطف في الأرحام صورها , ومياه أنزلها , وزروع وأشجار أنبتها , دلائل واضحة وآيات ناطقة بأن لها ربا قادرا حكيما , له الخلق والأمر , يعمل حسب مشيئته , ويمضي وفق علمه , ويعطي الملك ويمنعه , يعز ويذل , بيده الخير وإليه المصير , وهو على كل شئ قدير , قال سبحانه في سورة آل عمران : " قل اللهم مالك الملك , تؤتي الملك من تشاء , وتنزع الملك ممن تشاء , وتعز من تشاء , وتذل من تشاء , بيدك الخير , إنك على كل شئ قدير , وتولج الليل في النهار , وتولج النهار في الليل , وتخرج الحي من الميت , وتخرج الميت من الحي , وترزق من تشاء بغير حساب " .                                     

س :    ما الدليل العقلي والنقلي على وجوب اتصافه تعالى بالعلم ؟

ج ) الدليل العقلي والنقلي على اتصافه تعالى بالعلم أنه تعالى فاعل فعلا متقنا محكما بالقصد والاختيار , وكل من كان كذلك يجب له العلم , فالله يجب له العلم .

          وأما الدليل النقلي فقوله تعالى في سورة المجادلة : " إن الله بكل شئ عليم " . وزيادة في البيان أقول : إذا كان تعالى هو الذي خلق العالم وأبدع ذلك الكون , خلقه كما أراد , وأبدعه كما شاء , فلابد أن يكون عالما بما أبدع , محيطا بما خلق , ومن المحال أن يخلق خلقا وهو لا يعلمه , ويبدع كون وهو لا يعرف تفاصيله , قال في سورة الملك : " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " . من المحال أن يخلق السماء وما أظلت والأرض وما أقلت , وهو لا يعلم ما فيها , من نبات وأشجار وجبال وبحار وكواكب تضئ ودواب قد اختلفت أشكالها , وأناس تباينت لغاتها , قال تعالى في سورة الأتعام : " وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو , ويعلم ما في البر والبحر , وما تسقط من ورقة إلا يعلمها , ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " . وقال في سورة الحديد : " وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام , ثم استوى على العرش , يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها , وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم , والله بما تعملون بصير " . فهو تعالى يعلم خائنة الأعين , وما تخفى الصدور , يعلم ما توسوس به النفس من خطوات , وما يلم بها من أحاديث , قال تعالى في سورة ( ق ) : " ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب غليه من حبل الوريد " .

س :    ما الدليل العقلي والنقلي على وجوب اتصافه تعالى بالحياة ؟

ج )    الدليل العقلي على اتصافه تعالى بالحياة : أنه تعالى متصف بالقدرة والإرادة والعلم , وكل من كان كذلك تجب له الحياة .

          أما الدليل النقلي فقوله تعالى في سورة الفرقان : " وتوكل على الحي الذي لا يموت " . وزيادة في البيان أقول : متى قامت الأدلة على أن لذلك العام إلها دبره , قيوم السموات والأرض , قائما على كل نفس بما كسبت وجب أن يكون حيا يمنح غيره الوجود ويهبه الحياة . ولو كان ميتا ما استطاع ذلك , لأن الفاقد للشئ لا يعطيه , والمحروم من المزية لا يفيدها , قال تعالى في سورة غافر : " هو الحي لا اله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين " . وكيف يوصف بالقدرة التامة , والمشيئة النافذة , والعلم المحيط , والرحمة الواسعة , من فقد الحياة ؟ أم كيف يقوم بتدبير هذا العالم الكبير من عرشه لفرشه , من تعرض له الغفلة ؟ ويجوز عليه ما يطرأ على المخلوق , القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم , له ما في السموات وما في الأرض " .

س :     ما الدليل العقلي والنقلي على وجوب اتصافه بالسمع ؟

ج )     الدليل العقلي على اتصافه بالسمع : أنه لو يتصف بالسمع لا تصف بالصمم , والصمم نقص , والنقص محال عليه تعالى , فاستحال عليه الصمم , ووجب اتصافه بصفة السمع .

          وأما الدليل النقلي فقوله تعالى في سورة طه : " أنني معكما أسمع وأرى " .

س :    ما الدليل العقلي والنقلي على وجوب اتصافه تعالى بالبصر ؟

ج )    الدليل العقلي على اتصافه بالبصر : انه تعالى ولو لم يتصف بصفة البصر لا تصف بصفة العمى , والعمى نقص , والنقص محال عليه تعالى , فاستحال عليه العمى , ووجب اتصافه بصفة البصر .

          وأما الدليل النقلي فقوله تعالى في سورة لقمان : " ان الله سميع بصير " . وزيادة في هاتين الصفتين ( السمع والبصر ) أقول : أن من يعبد إلها لا يسمع ولا يبصر , قد سفه نفسه , وفقد رشده , واستمع إلى ما يحكيه الله على خليله إبراهيم في سورة مريم : " يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر , ولا يغني عنك شيئا " . فترى أن ابراهيم يبكت أباه على عبادة إله قد تجرد عن السمع والبصر خلال هاتين الصفتين , وما ذاك إلا لأن المودع في الفطر أن السمع والبصر صفتا كمال , لا يصح أن يخلو المعبود عن كليهما , ولا يتصف بما يقابله . وكان من أشد الحجج تأثيراً على عبادة الأصنام قول ابراهيم عليه السلام كما يحكى عنه في سورة الشعراء : " هل يسمعونكم اذ تدعون , أو ينفعونكم أو يضرون " . فالإله الذي يستحق أن تخضع له الرقاب , وتؤلهه النفوس , وتفرده بأرقى مراتب المحبة والاكبار , هو السميع لشكاية عبده , البصير بأعمال خلقه , يسمع سرهم ونجواهم , ويرى صغيرهم وكبيرهم قال تعالى في سورة المجادلة : " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها , وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما , ان الله سميع بصير " . وجدير بعد يعرف أن له إلها يراه في خلوته وجلوته , وسره وعلانيته , أن يخلص له العبادة , ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه , وجاء في سورة التوبة : " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون , وستردون إلى عالم الغيب والشهادة , فينبئكم بما كنتم تعملون ".

س :     ما الدليل العقلي والنقلي على وجوب اتصافه بالكلام ؟

ج )      الدليل العقلي على وجوب اتصافه تعالى بالكلام : أنه لو لم يكن متصفا بالكلام لا اصف بالبكم , والبكم نقص , والنقص محال عليه فاستحال عليه البكم , ووجب اتصافه بصفة الكلام .

          وأما الدليل النقلي فقوله تعالى في سورة النساء : " وكلم الله موسى تكليما " . وزيادة في البيان أقول : العقل لا يساوي بين أبكم لا يستطيع النطق , ومتكلم يأمر بما يحب , وينهي عما يبغض, لأن الكلام صفة الكمال , وفاقدها يكون ناقصا , لا يستحق أن يكون معبوداً , ولها بكت الله قوم موسى على اتخاذهم العجل إلها , فقال في سورة الأعراف : " ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا , اتخذوه وكانوا ظالمين " . وقال : " أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا , ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا " . وكاد خليل الله إبراهيم عليه السلام لأصنام قومه البكم وقد كانوا مفكرين , ويناقشوه الحساب أن كانوا لعقولهم مستعملين , حتى إذا سألوا ذلك الصنم الأكبر فلم ينطق , وناقشوه فلم يتكلم , رجعوا إلى رشدهم , وعرفوا أنهم ظالمون لأنفسهم , بعبادتهم أصناما بكما , صنعوها بأيدهم بعد أن نحتوها من الجبالبفؤوسهم , " وتالله لأكيدن أصنامكم بعد ان تولوا مدبرين , فعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم , لعلهم إليه يرجعون , قالوا من فعل هذا بآلهتنا ؟ انه لمن الظالمين , قالوا سمعنا فتى يذكرهم , يقال له إبراهيم , قالوا : فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون . قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ قال بل فعله كبيرهم هذا , فاسألوهم إن كانوا ينطقون . فرجعوا إلى أنفسهم , فقالوا : أنكم أنتم الظالمون " . واجمالا ندد الله بعبدة الأوثان , حيث عبدوا آلهة خرساء فاقدة النطق , فقال في سورة النحل : " وضرب الله مثلا رجلين , احدهما أبكم , لا يقدر على شئ , وهو كل على مولاه , أينما يوجهه لا يأت بخير , هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ؟ وهو على صراط مستقيم " . كيف يستحق العبادة اله ليس له صفة الكلام ما تعلم به أوامره ونواهيه ؟ أم كيف يكون له رسل مبشرين ومنذرون ؟ هذا وذاك دال على أن من كمال الاله أن يكون له صفة الكلام , يعلم بها من يشاء ما يشاء , وهذا الاعلام هو التكلم هو الوحي . وليس لنا أن نبحث عن كيفية كلامه , ولا عن كيفية تكليمه لرسله وايحائه اليهم , فإن ذلك شأن من شئونه التي لا يحدها غيره , ولا يعرفها سواه وعلينا أن نؤمن بأن القرآن كلام الله الذي أنزله على خير خلقه – محمد صلى الله عليه وسلم – وهو معجزته الدائمة , وحجته القائمة , قال في سورة الحجر : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " . ليس قولا للبشر , وإنما هو كلام واهب القوى والقدر , سمعه المشرك والموحد , والمؤمن والملحد , ومن أعرض عنه ضل وهلك , قال تعالى في سورة طه : " فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى , ومن أعرض عن ذكري , فإن له معيشة ضنكا , ونحشره يوم القيامة أعمى , قال : رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ؟ قال : كذلك أتتك آياتنا فنسيتها , وكذلك اليوم تنسى " .

(( أفعال الله تعالى ))

س :    من المسلم به بأن لله سبحانه أفعالا دالة على تصرفه المطلق في سائر مخلوقاته في سمائه وأرضه , فهل تسمح بالتحدث عنها مع الأدلة عليها ؟

ج )    أفعال الله تعالى كثيرة لا تحصى , وكلها صادرة عن علم وحكمة منزهة عن اللهو والعبث . أن الله خلقه شئونا لا يعلم حدها غيره , ولا يحيط بها سواه . بيده وحده الأحياء والاماتة , والإعطاء والمنع , و الاعزاز والإذلال . قال تعالى في سورة آل عمران : " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء , وتنزع الملك ممن تشاء , وتعز من تشاء وتذل من تشاء , بيدك الخير إنك على كل شئ قدير , تولج الليل في النهار , تولج النهار في الليل , وتخرج الحي من الميت , وتخرج الميت من الحي , وترزق من تشاء بغير حساب " . من يهدي الله فهو المهتدي , ومن يضلل فلا هادي له سواه , يهدي من أقبل عليه , واستمع لداعيه , ويضل من أعرض عن دعوته , وأصم أذنيه عن سماع الحق . قال تعالى في سورة الأعراف :  " سأصرف عن آياتي الذي يتكبرون في الأرض بغير الحق , وأن يروا كل آية لا يؤمنوا بها , وأن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا , وأن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا , ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين " . لا يسوى سبحانه بين خبيث وطيب , ولا بين مصلح ومفسد , قال تعالى في سورة المائدة : " قل لا يستوي الخبيث ولا الطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث " . وقال تعالى في سورة الجاثية : " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ؟ سواء محياهم ومما تهم , ساء ما يحكمون " . لا معطي لما منع , ولا مانع لما أعطى , يعطى من يشاء ما يشاء , يمد من يعمل للدنيا , ويعين من يعمل للآخرة , فهو سبحانه يعطى الدنيا من يحب و من لا يحب , ولا يعطى الدين إلا من يحبه , فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه .. " الحديث " فليس المال أمارة الرضاء كما يظن بعض الناس , بل قد يكون كذلك , وقد يكون ابتلاء من الله كسائر النعم , لينظر أيقوم العبد بحقه , أم يحارب به مولاه , قال تعالى في سورة الأنفال : " اعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة , وأن الله عنده أجر عظيم " .

          واذ قد علمت ذلك , فلتكن عقيدتك , ما ذهب إليه أهل السنة , وهو أن الله هو الخالق لأفعال العبد الإختيارية , كما خلق غيرها , وهو سبحانه مختار في جميع ما خلق , إن شاء فعل , وإن شاء ترك , وليس فعل الصلاح والأصلح بالعباد واجباً عليه , بل له أن يفعل بهم ما يشاء , و تقتضيه حكمته . من اعطاء ومنع , وتنعيم وتعذيب , وارسال للرسل . ودليل ذلك قوله تعالى في سورة القصص : " وربك يخلق ما يشاء ويختار " . وقوله تعالى في سورة الأنعام : " ذلك الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ " . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " . هذا _ . وهناك أدلة فطرية ينبغي الإطلاع عليها زيادة في الاستفادة , لأن بها يدرك الوجود الأعظم , ما في ذلك من شك !! .

الأدلة على وجود الاله بناء على الفطرة كما هي في البراهين الآتية .

س :      ذكرت أن هناك أدلة فطرية ينبغي الإطلاع عليها , ثم لم تبين تلك الأدلة , إذن فما هي هذه الأدلة يا ترى ؟

ج )      إليك بيانها فيما يلي :

أن إدراك الإنسان لحقيقة نفسه , وبأنها موجودة , أمر لا يختلف فيه وإن الإنسان يعي بفطرته ويدرك الوجود الأعظم , ما في ذلك من شك . فهو في أعماق نفسه يشعر بوجود اله لهذا الكون , وهو ليس محتاجاً في معرفة ذلك التقسيم المنطقي , وتركيب القضايا , واخراج النتائج . ولا نريد بهذا الأمر , أن يقف المرء عند هذا الإحساس وهذا الشعور فحسب , فقد أوجب العلماء على كل قادر على النظر والاستدلال : أن يزيد هذا الاحساس بالنظر والاستدلال بما في خلق السماوات والأرض , وأن يتأمل في الموجودات ليزداد تأكده بأنها من صنع فاعل قدير , وبهذا الاتجاه ينجو المرء من الإيمان المختلف في صحته .
             ونزيدك هنا أن العلماء شعروا بالحاجة إلى البراهين والأدلة عندما اختلطت العقائد الدينية بالآراء الفلسفية , وبعلم المنطق , فأدرك العلماء أنه لا بد من مناظرة من يلجأ إلى ذلك بطريقته الخاصة . وهذه الأدلة العقلية مع ما فيها من فائدة عظيمة للعقيدة , لا تحيط بحقيقة الاله التي لا تنحصر في عقل إنسان , ولا في دليل عقلي يأتي به , وكل ما في هذه الأدلة التي يأتي بها العلماء الموحدون أنها تذكر في مقابلة الأدلة العقلية التي يأتي بها المنكرون . _ وعندما يدرك الباحث أن أدلة الموحدين أرجح من أدلة المنكرين . يكون الدليل العقلي قد أغنى غناءه , وأدى رسالته في إبعاد أية شبهة محتملة , ومن هنا كان لا بد لنا أن نذكر شيئاً من الأدلة العقلية التي ذكرها العلماء في الرد على من كابر , زيادة على ما تقدم من برهان الفطرة وسنثبت هنا أوضح ما ذكرها العلماء من براهين وهي :

       ( 1 ) برهان الخلق والإبداع .               ( 2 ) برهان الحركة والمحرك .

                                   ( 3 ) برهـــــان الغايـــــة . 

 

برهان الخلق والإبداع

فأما برهان الخلق والإبداع :   فهو أقدم البراهين وأبسطها وأقواها في الاقناع . ولنذكر لك أمثلة لهذا الخلق والابداع , حتى تستطيع أن تدرك منها الدليل الذي تريده .

( 1) قد نضع بذرة في أرض صالحة للزراعة , ونسقيها بالماء , أو نغرس قطعة من غصن كذلك , فإذا بكل منهما يستوي عودها , وتخضر أغصانها , وتظهر عليها زهور جميلة ذات ألوان جذابة , أو رائحة عطرية , وقد يظهر عليها من السنابل والثمر ما يكون قواما للأحياء .

( 2 ) يحصل الاتفاق الجنسي بين الذكر والأنثى من الحيوانات والطيور , وقد ينتج من هذا الاتصال حيوان آخر .

( 3 ) أثبت العلم أن ثدي المرأة عبارة عن أوعية شبكية كثيرة العدد صغيرة الحجم , تتميز عن الأوعية الدموية بكثرة مرور الدم عليها كثرة ملحوظة , وهي تحيط بفجوات واسعة مبطنة بالخلايا التي تصنع اللبن باستخلاصه من الدم المار بالأوعية , فينتج من كل أربعمائة أوقية أوقية لبن . ثم يذهب هذا اللبن إلى مستودعات بين خمسة عشر أو عشرين , وتضيف القنوات التي تحمل اللبن كلما قربت من سطح الحلمة , وهذا اللبن يتغير من وقت لآخر بحسب حاجة الطفل للتركيز في مكوناته .

( 4 ) عندما يوجه الإنسان المبصر نظره إلى شئ تنطبع صورة الشئ المنظور معكوسة على الشبكية , وينقل العصب البصري هذه الصورة المعكوسة الشكل إلى المخ , فيردها المخ إلى العين وقد عكسها مرة أخرى أي عدلها فيرى الناظر الصورة العادية . كل ذلك فيما لا يستطيع تقدير هذه الأمثلة تريك كيف تتغير الكائنات , فتوجد اشياء بعد عدم , ويتحول بعض الأشياء إلى بعض آخر , ويتولد بعضها من بعض , ويتوقف بعضها على بعض فإذا سلطنا ضوء العقل على ذلك فإنه يحكم أن هذا كله من قبيل الممكن الذي حصل بعد أن لم يكن , ولابد لذلك من موجد واجب الوجود لذاته وهو الله تعالى , وليس الأمر مقصورا على هذه الأمثلة التي ذكرناها لك فالأمر يتناول العالم كله , أو الموجودات جميعها , فلا بد لها من موجد , وموجدها هو الله سبحانه وتعالى واجب الوجود .

(( برهان الحركة والمحرك ))

          وبرهان الحركة والمحرك الذي أنشأ جميع الحركات الكونية على اختلاف أنواعها كالحركة : بمعنى الانتقال من مكان إلى مكان , والحركة من حال إلى حال , والحركة بمعنى الانتقال من حيز الأماكن إلى حيز الوجود . كل هذه المعاني تدخل تحت معنى الحركة . وقبل أن نسوق إليك البرهان نقدم لك أمثلة تبين المعاني السابقة :

1) مثال الحركة بمعنى الانتقال من مكان إلى مكان , أو من حال إلى حال , تبعد (1) أرضنا التي نعيش عليها عن الشمس بمقدار ( 92 ) مليونا ونصف مليون ميل . وهي تدور على محورها بسرعة ألف ميل في الساعة , وذلك يعادل مرة كل أربع وعشرين ساعة . ولو قل دورانها عن ذلك لأصبح النهار طويلاً وذلك يؤثر على النبات والأحياء صيفاً ولطال الليل بصورة تؤدى إلى تجمد السوائل شتاء , وبهذا تقل مسببات الحياة , وهي تدور حول نفسها وحول الشمس , وتتبعها في سيرها أينما سارت . وينتج عن هذا الانتقال الفصول المختلفة . والنظام الشمسي كله بما فيه الأرض ينهب الفضاء وينتقل بسرعة لا تقل عن عشرين ألف ميل في الساعة , وكل من السيارات يلزم مداره في انتقاله ولا ينحرف , ويلزم سرعته , ومع ذلك لم يصطدم شئ منها بآخر على مر السنين , وتعاقب الأجيال .    

___________________

(1) الجزم بهذا البعد فيه نظر والقول بحركة الأرض قد قامت الأدلة النقلية والحسية على بطلانه وقد دلت على أن الأرض ساكنة هادئة قاره فيحسن في مثل هذا أن لا يجزم في هذا الأمر بل ينسب ذلك إلى أصحاب الهيئة ثم يقال في آخره والله سبحانه وتعالى أعلم والصواب أن اختلاف الليل والنهار والفصول بأسباب حركة الشمس حول الأرض واختلاف مشارقها ومغاربها هذا هو مقتضى الأدلة الشرعية والحسية المشاهدة والمعقولة . وقد كتبت في هذا مقالين طبعا في الصحف المحلية وغيرها . وطبعا مستقلين ووزعا .
                                                                                                                                                  " عبد العزيز بن باز "  

2) ومثال الحركة من حيز الأماكن إلى حيز الوجود :

أ _ يمتص جذر النخلة العناصر الغذائية من التربة بالشعيرات الجذرية وتصعد العصارة بالضغط إلى أعلى , ويتغذى جذع النخلة بما غلظ من العصارة , وتصعد إلى الأجزاء العلوية , فيأخذ كل جزء غذاءه , وترتفع العصارة الدقيقة لتكون الثمرة . فقد كانت الثمرة قبل ظهورها في حيز الأماكن , وبعده صارت في حيز الوجود .

ب _ يقذف الرجل الماء في رحم المرأة , فتسعى الحيوانات المنوية إلى داخله , وعندما تجد بويضة يدخلها أسرع حيوان , فتحتوي بويضة المرأة بعد ذلك على نواتين : نواتها الأصلية , ونواة الحيوان المنوي , وتتقارب النواتان حتى تمتزجا وتكونا نواة واحدة , وتصبح البويضة خلية كاملة ثم تأخذ في الانقسام فيتكون منها مخلوق كامل الأعضاء والصفات كأفراد نوعية , وفي هذا المثال : كان الإنسان قبل التلقيح في حيز الأماكن , وبعد التلقيح يخرج إلى حيز الوجود .
           وبعد استعراض هذه الأمثلة التي توضح أنواع الحركة المختلفة يناسب أن ننتقل إلى صياغة قانون الحركة , أو قانون المحرك الذي أنشأ جميع الحركات الكونية , وذلك أن المتحرك " الموجود " أيا كان نوع حركته لا بد له من محرك " موجود " وأن هذا المحرك لا بد أن يستمد الحركة من غيره , وهكذا إلى أن يقف العقل عند محرك واحد لا تجوز الحركة عليه لأنه قائم بغير حدود من المكان والزمان , وهذا هو الله تعالى .
          هذا , وقد عرفت أن هذه الحركة سائرة على نظام دقيق لا يعتريه نقص ولا اصطدام , وهذه الأجرام المتحركة قائمة في الفضاء بأمر الله تعالى وتدبيره , وأن قانون الجاذبية  الذي اكتشفه العلماء ما هو إلا رمز لقوانين تصرح باسم الله تعالى . وقد قال القرآن قبل أن يكتشف قانون الجاذبية " رفع السماء بغير عمد ترونها " وهو يشير بذلك إلى هذه القوانين .
          وأمثلة الحركة من حيز الأماكن إلى حيز الوجود , توضح لك أن مثل هذه التطورات العجيبة المدهشة في بروز الثمرة إلى حيز الوجود , وظهور الإنسان من حيز القوة إلى حيز الفعل لا بد أن تكون وليدة محرك قادر قوي عظيم لا تبلغ العقول الإنسانية كنه عظمته , وإنما تدرك وجوده بوجود أثره الذي لا يتطاول أحد إلى عمل مثله .

(( برهان الغاية ))

 

 

 

 

                             

الرجوع إلى الأعلى

جميع الحقوق محفوظة
إن أي تغيير أو تعديل في المحتوى يعرضك للتقاضي

{ تصميم مكتب العجيب }
القطن - حضرموت
تاريخ تصميم المواقع : 26/12/2004م